الأدب العربي
تحميل كتاب ساعات بين الكتب pdf
المؤلف : عباس محمود العقاد
التصنيف : الأدب العربي
حجم الملف : 2.76 ميجا بايت
نوع الملف : pdf
عدد الصفحات : 286
اللغة : العربية
___________
تحميل كتاب ساعات بين الكتب pdf، عباس محمود العقاد
ماهذه الساعات بين الكتب، وماذا عسى أن يكون محصولها الذي نخرج به منها على الإجمال؟ أهي ساعات منقطعة للطروس والمحابر، ننقلب فيها من الدنيا الحية النابضة إلى دنيا أخرى من الحروف والأوراق؟ أهي ساعات بين الكتب؛ لأنها ليست ساعات بين الأحياء كما قد يتوهم الذين يقسمون الزمن إلى قسمين: ساعة للقلب وساعة للرب وبينهما برزخ لا تختلط عليه البروج، ولا يعبره هؤلاء إلى هؤلاء؟ أود أن أقول في إيجاز وتوكيد: كلا! ليس للأوراق في «علم صناعتي» مادة غير مادة اللحم والدم، وليست المكتبة عندي — أيًّا كانت ودائعها — بمعزل عن هذه الحياة التي يشهدها عابر الطريق، ويحسها كل من يحس في نفسه بخالجة تضرب وقلب يجيش وذاكرة ترن فيها أصداء الوجود، وإنما الكتاب الخليق باسم الكتاب في رأيي هو ما كان بضعة من صاحبه في أيقظ أوقاته، وأتم صوره، وأجمل أساليبه، وهو الحياة منظورة من خلال مرآة إنسانية تصبغها بأصباغها، وتظللها بظلالها، وتبدو لك جميلة أو شائهة، عظيمة أو ضئيلة، محبوبة أو مكروهة، فتأخذ لنفسك زبدتها الخالصة، وتعود بها وأنت حي واحد في أعمار عدة أو عدة أحياء في عمر واحد. ذلك هو الكتاب كما أستحبه وأطلبه، وعلى هذا لا تكون ساعاتنا مع القارئ بين الكتب إلا ساعات نقضيها في غمار هذه الدنيا بين الأحياء العائشين، أو بين الأموات الذين هم أحيا من الأحياء.
ولست أدري كيف نشأ في أوهام الناس أن دنيا الكتب غير دنيا الحياة، وأن العالِم أو الكاتب طراز من الخلق غير طراز هؤلاء الآدميين الذين يعيشون ويحسون ويأخذون من عالمهم بنصيب كثير أو قليل، ولكني أحسبها بقية من بقايا الامتزاج بين الدين والعلم أيَّامَ كان رجال الأديان هم رجال العلوم، وكان سمتُ الدين هو سمت الزهد والتبتل والعكوف على الصوامع والمحاريب، فكان العالم المتفقه عندهم لا يُفتح عليه بالعلم، ولا يُمَدُّ له من أسبابه إلا بمقدار إعراضه عن العيش المباح منه والحرام، واعتزاله الناس الأخيار منهم والأشرار، وكانت عندهم علوم للشيطان كما كانت عندهم علوم لله، فمن طلب هذه أو تلك فعليه بالتجرد عن الدنيا ورياضة النفس على الشظف والحرمان إلى أن يرزق نعمة الوصول، ويحظى بالاجتباء من إله النور أو من إله الظلام، فقد كان العلم يومئذ إما نسكًا أو سحرًا، ولا ينسك الناسك ويسحر الساحر وهو يروح ويغدو بين هذه الأحياء، ويشتغل من شئونهم بما هم به مشغلون وإلا فما أغرب ناسكًا يحدثك بجمال هذه الدنيا التي يزهد فيها أو يحس معك بمثل ما تحسه من مسراتها وآلامها! وما أعجب ساحرًا يتغلب على الطبيعة وهو مسخر للطبيعة تدعوه فيجيب وتستهويه فيلبي بواعث الأهواء! إن هذا لا يكون ولا يدخل في حيز المعقول،
اقرأ المزيد...
قراءة ماتعة نرجوها لك...
حقوق النشر محفوظة للمؤلف المذكور
